المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤية من زاوية أخرى لإشكالية في النظام التعليمي



عيادي
17-10-2010, 03:52 PM
تتجه المنظومة التعليمية المغربية منذ سنوات نحو الإصلاح والترميم والمعالجة ، إذ تلقن هذه المنظومة بجرعات متنوعة من المخططات ورزمات من المنشطات والمقويات من حين لآخر، مما أكسب هذا القطاع زخما كبيرا كونه ذا طابع حيوي ومهم ، بل أساسي في قياس قيمة المجتمعات ومكانتها ، وهل يعني ذلك أن هناك فسادا ينخر هذا الجسم ما دمنا نقر بحاجة إلى إصلاح وإعادة الإصلاح ؟ أم أن طبيعة القطاع تكتسي هذه الصبة : صبغة التجدد والتطور تبعا للعصر ؟

إن الإقرار بوجود خلل في النظام التعليمي المغربي مسألة قد حسمت سلفا وحديثي عن ذلك ضرب من العبث المتنزه عنه با عتبار ذلك من تحصيل الحاصل ، إذ منذ سنوات ليست بالقليلة ونحن نسمع ونقرأ عن نظام جديد أو مخطط تربوي تعليمي يحل محل السابق . قبل وأثناء تطبيق كل منها يبدأ - في أوساط الفاعلين في الميدان – بالذم والهجاء للمنظومة السابقة ، والتطبيل والتزمير للجديد ، وما أن تمضي بعض الأوان حتى يبدأ بالبكاء على الماضي ، يشد رجال ونساء التعليم – لا أعمم بل الغالب – الحنين إلى القديم وتكرار مزاياه .

وقد واكب هذه التطوات والمستجدات جدال ولاحقتها نقشات بالنقد لا عد لها حاصرتها من كل جانب ، مما أحدث نوعا من النفور والشعور بالإحباط لدى المنخرطين في ميدان الممارسة الفعلية ، حتى وإن ورد المفيد لا يعتبر ولا يلتفت إليه في خضم هذه الهالة المضادة , ولا أريد الحديث هنا عن إعادة ذكر الأسباب التي تدفع إلى ذلك بقدر ما وددت تسليط الضوء على ما يبدو لي مهم لما له من أبعاد نفسية وانعكاسات مباشرة على المردودية .

وبيان ذلك أن مشاريع الإصلاحات الأخيرة جنحت إلى تجاهل عنصر عمدة في مجال التطوروالنهوظ بالمجال التعليمي والتربوي ألا وهو " الأستاذ" الفاعل والعامل والمشارك والممارس في الميدان ، و للإشارة فإن حتى صفة " أستاذ " التي لها بعد أخلاقي تربوي حيث تدل على الاحترام والتقدير للعلم وأهله في ثقافتنا باتت مستهدفة ، ذلك أن البعض يسعى لنزعها على المربي وتعويضها بأوصاف أخرى من قبيل المنشط والمدرس... وهذا لا يعني معارضتنا لوصف الأستاذ بالمنشط... ولكن أن يأتي هذا الوصف تبعا لا أصلا وعوضا عن الصفة الحقيقية الأستاذ ، فإذا وجد الخلل في القاعدة و الأساس فإن أي إصلاح مقدم سيبوء بالفشل . لأن ذلك يمر عبر هذا الطريق ، الأستاذ هو من ينفذ البرامج ، وعليه يجب الاهتمام به كعنصري ضروري وهو أداة من أدوات التنفيذ ، فالأداة لا بد ان تكون مناسبة للعمل المناسب ، ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تخصص أموال طائلة لبعض الأمور الجانبية التي لا تطبق على أرض الواقع إما لعدم ملاءمتها وصعوبتها أو للإهمال واللامبالات ، وفي المقابل تجاهل أوضاع الأساتذة ماديا ومعنويا لا جديد في التشجيع والتحفيز بل توجيه رسائل مبطنة تضرب في الصميم عمله وإخلاصه وتفانيه ، وما تجليات المخطط الاستعجالي إلا دليل شاهد على ذلك ، حيث ترسل المذكرات وتشكل اللجان للمراقبة والتفتيش ، وكأن الوزارة تريد أن تقول : إن العاملين في المؤسسات التعليمية من مدرسين ومفتشين ومقتصدين وحراس ومدراء ... كلهم في دائرة الغش ومخالفة القانون .

وبذلك تصبح الأمانة المحمولة ، والضمير المهني في مهب الريح ولا اعتبار له ، فالمعتبر هو تشديد الخناق على الأطر العاملة في الحقل ؛ لأنهم هم السبب في تردي مستوى التعليم بتغيباتهم وإن كانت مبررة ، لا يهم أن تكون في رخصة مرض أو ولادة أو امتحان ، المهم تتغيب وبالتالي تعويض ما تغيبت فيه من حصص دون مراعاة للتراكم الزمني لدى المتعلم أو الأستاذ ، لذلك تجد هذه الأطر نفسها منهمكة في قراءة المذكرات والأقراص المدمجة و... ثم تستنتج بأن عملها وإخلاصها صب للماء في الرمل يقابل بمنشورات تندرج ضمن اتهام ضمني أو صريح .

إذن بات واضحا من هذه المخططات أنها غلبت جوانب أخرى وأعطتها أهمية كبرى ، في حين قزمت من شأن الأستاذ المربي حتى أصبح يهان ويتعرض لضغوطات كبيرة ، خارج المؤسسة وحتى داخلها من المتعلمين أحيانا ولا حق له حتى في الكلام غاضبا كان أو هادئا بله عن التأديب بالضرب وفقا للمذكرة التي تنهى عن الضرب أو التجريح باللفظ ، وبذلك يقل الدور المنوط به في تربية الأجيال وتعليم النشء وسط إحباطات كثيرة أحاطط به من كل جانب .

ولذلك لا بد من إعادة النظر في هذه النظرة الدونية لقيمة الأستاذ ومكانته ، وإبعاد صفة التهمة عنه في فشل السياسة التعليمية ، وفي هذا الصدد لا ننكر أن في القطاع من يتهاون ولا يؤدي واجبه المهني والأخلاقي مثلما نجد ذلك في كل القطاعات ، ولكن تعميم الاتهام وإلقاء المسؤولية على العموم ضرب من الهوس ، وتنكر لتضحيات جسام محتسبة عند الله يقدمها الشباب لخدمة الوطن وأبنائه كمن يعين في مناطق نائية تبعد بمآت الكيلوميترات عن منشئه ومسقط رأسه ، رغم كل ما يلاقيه من ظروف و عذابات نفسية حيث الفراق وهواجس أخرى ، واجتماعية حيث البعد عن الأهل والأسرة وأحيانا الأزواج..مع كل ذلك حينما يلج القسم يبذل بإخلاص كل ما في وجهده وطاقته لتبليغ المراد ، وحينما يحس بأن الدرس قد فهم ترتاح النفس والضمير ، بل يجد المدرس نفسه في عالم البراءة يتناغم مع الروح مما يدفع به إلى الإخلاص والرغبة في العمل أكثر فأكثر أداء للواجب والأمانة والسؤولية المختارة . فمتى ينظر إلى كل هذه التضحيات لرد الاعتبار المناسب للمهنة المناسبة ، فالوزارة الوصية أمام محك صعب إما أن ينجح المخطط الاستعجالي بتشارك مع كل الأطرف المعنية بتوافق وتوازن بعيدا عن إشارات التهديد والاتهامات ، وإما أن ينضاف إلى ماسبق مع ضياع الأموال الضخمة المرصودة لذلك ، لنعود مرة أخرى لنبحث عمن نتهم ؟



عبدالواحد خلوفي









أكثر... (http://hibapress.com/news9111.html)