المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة مفتوحة إلى السيد محمد الناصري رجل القانون أولا.. ووزير العدل ثانيا



عيادي
17-10-2010, 03:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيمرسالة مفتوحة إلى السيد محمد الناصري رجل القانونأولا.. ووزير العدل ثانياالموضوع: دعوة إلى فتح نقاش عمومي حول: مآل إصلاحالقضاء في ضوء نموذج فضيحةما يطلق عليه إعلاميا بـ "قضيةبليرج"

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.. وبعدفي البدء ثلاثةأسئلة:
لماذا رسالة مفتوحة؟لماذا إلى السيد محمد الناصري؟ولماذاالآن؟أما لماذا رسالة مفتوحة، فببساطة لأنه، ليس لدينا ما نخفيه، كما أنكملم تكونوا طرفا في صناعة هذه القضية الفضيحة!! وهذا كله يرجح بالنسبة لي التواصلمعكم في فضاء عمومي مفتوح أمام الرأي العام والمهتمين والمتتبعين.

أمالماذا إلى السيد محمد الناصري؟ فلأنكم أولا رجل قانون عرفته رحاب المحاكم مدافعا عنموكليه ومرافعا لتبرئتهم، وإلمامكم بالقانون مسألة جوهرية في هذه المناقشة العموميةحول فضيحة من فضائح السياسة والآمن والقضاء بالمغرب، اختار لها صانعوها اسم: "قضيةبليرج"، وبالتالي لن نجد عناء في المرافعة ما دامت اللغة التي سنستعمل في هذهالرسالة المفتوحة معلومة لديكم ألا وهي لغة القانون.

ثم، إنكم ثانيا وزيرالعدل وأنتم بذلك مسؤولون عن وضعية العدالة ببلادنا ثم أنتم بمقتضى المادة 51 منقانون المسطرة الجنائية (ق.م.ج) تشرفون على تنفيذ السياسة الجنائية وتبلغونها إلىالوكلاء العامين الذين يسهرون على تطبيقها. وهنا طبعا، يهمنا أن نتوقف عند أداءالنيابة العامة في هذه القضية الفضيحة وأن نتعرف على دوركم في هذا البابأيضا.

أما لماذا الآن؟ فلاعتبارين:

الأول: سياقي، حيث مرت سنة كاملةعلى التعبير الرسمي عن إرادة إصلاح القضاء، ولا شيء ذا بال يجري على الأرض بهذاالخصوص، بل إن المجتمع السياسي والحقوقي والمدني لا يزال متشككا في إمكانية إصلاحالقضاء.

الثاني، أنه قد اسدل الستار القضائي الابتدائي والاستئنافي علىفضيحة "قضية بليرج" بتأكيد نهج الاستمرارية وتبخر وعد تأمين المحاكمة العادلة الذيالتزمتم بضمان شروطه ضمن الإطار القانوني.

لقد استجبنا لنداء المحاكمةالعادلة ودفعنا مستحقاتنا كاملة دفاعا وأظناء، لأننا لسنا من دعاة الإفلات منالعقاب إذا ما ثبتت الإدانة قانونيا ولا نشحذ براءة لأننا بكل بساطة واثقون منبراءتنا إذا ما احتكمنا إلى القانون منطوقا ومنطقا وضمانات ومقتضيات. ولكن جوبهنابالصمم والتجاهل، وبدا الأمر كما لو أننا أمام إرادتين: إرادة أولى تتطلع لإجراءتمرين المحاكمة العادلة في هذه القضية، وإرادة ثانية كانت "توظف" ذوي النواياالطيبة والمساعي الحميدة لتهدئة الخواطر حتى تصدر الأحكام الإستئنافية! ولكن لعبةالوقت لعبة ذو حدين: فإخراج المحكمة الاستئنافية من المأزق قد يكون تحقق إذا أردناالقول تجاوزا، ولكن في المقابل ضاع مطلب العدالة، وهو المطلب الأساسي، لأن إحقاقالعدالة ينهي القضية ولكن إخفاق العدالة لا ينهيها بل لا يزيدها إلا توترا إن لميخرجها من دائرة يسيرة إلى دائرة عسيرة لا يعلم تداعياتها إلا الله سبحانه وتعالى. لقد علق أحد المصريين الشرفاء حينما "استعادت" مصر سيناء بقوله ساخرا: "لقد عادتسيناء وضاعت مصر"، وأقول، نعم لقد تحقق المراد في إنقاذ المحكمة الاستئنافية ولكنضاعت العدالة واستمر الظلم. لقد كان بعض المقاومين يقولون للمستعمر: لكم الساعةولنا الوقت vous avez la montre nous avons le temps.

ونحن نقول من وحي هذاالقول العميق أن المنطق الإطفائي يربح الجولة ولكنه لا يربح المعركة والمعركةجولات، والعاقل من يعمل على معالجة الأسباب لأن ذلك هو الطريق الآمن لإنهاء المشكل. أما ربح الوقت، فضلا عن كونه دليلا على فقر في الحكمة، فنفسه قصير ولا ينهي المشكلولا يزيده إلا توترا وتعقيدا.

السيد الوزير المحترم:
لقد شكلت فضيحة "قضية بليرج" فرصة تاريخية لإعطاء المصداقية للإرادة الرسمية المعبر عنها لإصلاحالقضاء. ولكن انتصرت الاستمرارية على القطيعة فيها. لقد سقطت إرادة إصلاح القضاءسقوطا مريعا في فضيحة "قضية بليرج". نعم، لقد سقط القناع عن القناع، وبدا واضحاجليا أن أمر إصلاح القضاء ليس مسألة إجراءات ومساطر بل هو أمر أكبر من ذلك بكثير. إن السؤال اليوم يطرح بحدة حول الجهات التي تعرقل تجسيد إرادة الإصلاح القضائي ولاتريد دفع مستحقاتها.

السيد الوزير المحترم:
قبل التعرض لأوراش الإصلاحالقضائي كما برزت من خلال هذه الفضيحة السياسية-الأمنية-القضائية، اسمحوا لي بدايةأن أبسط بين أيديكم، بداية، سياق بروز هذه القضية فيما أسميه بشبهة السياق التيتنقض هذه المتابعة السياسية وتبطلها. ففي نونبر 2006، قمنا بإيداع تصريح بتأسيس حزبسياسي لدى الدوائر المختصة بوزارة الداخلية كما هو مقرر في قانون الأحزاب السياسية. وبعد مرور الآجال القانونية دون أن نتوصل بالوصل (أو إشعار المطابقة كما هو وارد فيقانون الأحزاب السياسية) أصدرنا بيانا نعلن من خلاله عن تأسيس حزب سياسي اخترنا لهاسم "حزب الأمة"، ثم شرعنا في الترتيب لعقد المؤتمر التأسيسي.

ومع عقدالمؤتمر في 3 يونيو 2007، وبالتغطية الإعلامية التي صاحبته، انزعجت جهات بوزارةالداخلية فدشنوا مخططهم في مواجهتنا: كانت البداية هي إحالة ملف الحزب على القضاءالإداري بهدف إبطاله.. ثم واصلوا ترتيبهم.. إلى أن تم تدبير هذه القضية.. هذا هوالسياق.. وهو كاشف لعوراتها.. وهو يبين بجلاء أن تدبير هذه المكيدةالسياسية-الأمنية ضدنا، إنما جاء، كإجراء لاحق، كخلفية لتبرير منعنا من تأسيس حزبسياسي وهذا ينقض صدقيتها ويجرح في معقوليتها وواقعيتها. لقد كنا بصدد تأسيس حزبسياسي لتتحول هذه الرحلة إلى دراما "إرهابية" من إنجاز وإخراج جهات لا تريد لبلادناأن تقلع وتنتقل ديمقراطيا. إنها صناعة أمنية وسياسية لتصفية حساب سياسي ولذلك لاتصلح أن تكون مستندا لإدانتنا لأن الحدود تدرأ بالشبهات والشك يفسر لصالح المتهموالأصل براءة الذمة.

السيد الوزير المحترم:
إليكم فيما يلي سبع خلاصاتلتمرين المحاكمة العادلة الذي قمنا به من جانب واحد، دفاعا وأظناء، في فضيحة "قضيةبليرج"، وذلك من خلال ثلاثة محاور، من أجل بيان تهافت هذه المتابعة السياسية وبطلانمستنداتهاالمحور الأول: انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة

1 ـ تعرضغالبية المعتقلين على ذمة هذه القضية الفضيحة للاختطاف والتعذيب وبمقتضى المادة 293من ق.م.ج فإنه لا يعتد بكل اعتراف ناجم عن جريمة العنف أو الإكراه، وعلاوة على ذلكيتعرض مرتكب العنف أو الإكراه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي. صحيح أنق.م.ج يتحدث عن ثبوت لا عن مجرد إدعاء التعرض للاختطاف والتعذيب. وفي هذه القضيةالفضيحة، قدم الكثير من الأظناء قرائن تدل على ثبوت ذلك، وحتى لو لم يدل أولئك بمايفيد الثبوت، كان المفترض أن يتم فتح تحقيق وبحث في الموضوع للوصول إلى الحقيقةبخصوصه وترتيب الجزاء القانوني عليه، ولكن هذا لم يتم. ولنتذكر أن المغرب قدم وثائقالمصادقة على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملات القاسية أواللاإنسانية أو المهينة بتاريخ 21 يونيو 1993 ونشر نص الاتفاقية بالجريدة الرسميةبتاريخ 19 دجنبر 1996 كما قدم التزامات واضحة فيما يتعلق باحترام حقوقالانسان.

2 ـ نظم وزير الداخلية السابق ندوة بتاريخ 20 فبراير 2008، علىمسافة يوم وليلة من اعتقالنا ولم يتجاوز البحث التمهيدي معنا يومها جوانب الهويةالشخصية والعائلية والمهنية والسياسية بعد إلى موضوع القضية المزعومة، وهذا يعتبرفي لغة القانون انتهاكا لقرينة البراءة ولسرية التحقيق وتوجيها صريحا غير مسبوقللشرطة القضائية في بحثها التمهيدي ولقضاء التحقيق والموضوع على السواء. كما أنهصاحب هذه الندوة البئيسة تهديد ووعيد لكل من يشكك في الرواية الرسمية. أما أدلتنافي هذا فهي ما نقل مباشرة على شاشات التلفزة وما نقلته وكالات الأنباء الوطنيةوالدولية وما نشرته مختلف الصحف المغربية.
السؤال هنا من أين حصل وزير الداخليةالسابق على تلك المعلومات التي أدلى بها وخاصة أن الاستنطاق معنا كان في بداياتهولم يتطرق لأي من الوقائع التي ادعاها في ندوته تلك؟ ألا يعتبر هذا انتهاكالمقتضيات المواد 1 و 15 من ق.م.ج .

3 ـ لم يتم احترام مقتضيات إجراءاتالإيقاف والتفتيش والحجز، وعدم احترامها يجعلها إجراءات معيبة تقع تحت طائلةالبطلان. وهذا هو مقتضى المادة 751 من ق.م.ج . ويكفي كمثال صارخ على هذا هو أن أحدالضباط "الموهوبين" قام بإجراءات الإيقاف، في وقت واحد، لشخصين يتواجدان في مكانينيبعدان عن بعضهما البعض بما يقارب 10 كيلومترات! وهذه قرينة تدل على أن مدة الحراسةالنظرية لم تحترم مما تترجح معه فرضية الاختطاف.

4 ـ فيما تم التدليس علىالكثير من الأظناء أثناء مرحلة التحقيق التفصيلي وتخويفهم من قبل محققين أمنيين كماعبروا عن ذلك أثناء مناقشة القضية ابتدائيا واستئنافيا، فقد حرم آخرون -وعن سبقإصرار- من إجراء التحقيق التفصيلي.
وكما تعلمون، فإن المادة 83 من ق.م.ج توجبالتحقيق وتجعله إلزاميا في "الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أوالتي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة".
وتعلمون أيضا أن إجراءالتحقيق التفصيلي هو أحد ضمانات المحاكمة العادلة. ومن حقنا أن نتساءل: أمامإلزامية التحقيق التفصيلي، من كانت له مصلحة في عرقلة إجرائه؟ إن في منعنا من إجراءالتحقيق التفصيلي نقضا لأحد الأركان الأساسية للمحاكمة العادلة وانتهاكا جسيمالحقوق الدفاع.

5 ـ لم نتمتع بحقنا في العلم بأدلة الإثبات القائمة ضدنا ولمتعرض علينا ولم نناقشها أثناء مناقشة القضية ابتدائيا واستئنافيا. لقد تم الاكتفاءمعنا بمناقشة معلومات واردة بمحاضر الضابطة القضائية وهي المحاضر التي طعنا فيهابالزور. وهذا انتهاك آخر لأحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة (مقتضى ديباجةق.م.ج). وهو يدل على فراغ الملف من أدلة الإثبات القانونية في المادة الجنائية.

المحور الثاني: الوقائع المفترضة غير ثابتة أو بلا قيمة حجاجية

6 ـحيث إن الوقائع المزعومة تنتمي إلى مرحلة قديمة نسبيا (بداية التسعينات) بحسب ماورد في المحاضر المزورة فإن إعمال النظر القانوني فيها يقود إلى التمييز بين ثلاثةأنواع من المساطر الجزئية:
أ ـ هناك مسطرة جزئية مضمنة بملف القضية ويتعلقالأمر بواقعة الاعتداء على مواطن مغربي، وقيمة هذه المسطرة الجزئية تكمن في توظيفنتائجها واستخلاصاتها وإلا فلا قيمة لها وبالتالي يتوجب إلغاؤها وسحبها من ملفالقضية.
هذه المسطرة الجزئية تتحدث عن شهود عاينوا الواقعة وقدموا معلومات دقيقةحول المشتبه بهم. وهؤلاء (أي الشهود)، لم يتم استدعاؤهم إلا بعد خوضنا لإضراب مفتوحعن الطعام وانسحابنا من متابعة أطوار المحاكمة، وذلك للتخفيف من حدة الاحتقان منقبل من رتبوا هذه المتابعة، وحين أدلوا بشهادتهم كانت نتيجتها أنهم لم يجدوا، في أيمن الأظناء، مواصفات المشتبه بهم. وهذا، يسقط هذه الواقعة كمستند في هذه المتابعةالسياسية. وللتذكير، فهذه هي الواقعة المفترضة الوحيدة التي تستند إلى مسطرة جزئيةفي هذه القضية الفضيحة، وقد جاءت شهادة الشهود فيها لفائدة تبرئتنا.

ب ـهناك وقائع بلا مساطر جزئية بمعنى أنه لم يسبق أن جرى البحث فيها وهو ما معناه أحدأمرين إما أنها لم تقع أصلا أو أنها لم تكن ذات شأن يستدعي إجراء بحث إلا أن مايرجح فرضية الاختلاق هو انه لا يوجد ضمن وثائق ملف هذه القضية ما يفيد وجود متضررتقدم بشكاية أو بدعوى في الموضوع.

ج ـ هناك أخيرا واقعة ولكن مسطرتهاالجزئية مضمنة بملف قضية أخرى وصدر بخصوصها حكم قضائي. ويتعلق الأمر بما يسمىبواقعة "ماكرو" فيما يسمى بقضية أطلس أسني. وهذا يطرح سؤال الامتناع والاستحالة،إذ كيف نتابع أشخاصا بواقعة سبق للقضاء أن أصدر فيها حكمه بحق أشخاص آخرين يقضونعقوبتهم السجنية منذ ما يفوق 14 سنة!. وتمثل هذه الواقعة فضيحة هذاالملف.

ويؤدي مجموع هذه الملاحظات إلى نتيجة واحدة هي أن سلطة الاتهام قداستندت في إدعائها على جرائم ظنية محتملة أومستحيلة أو مختلقة، وتكون بذلك قداعتمدت وقائع جرائم مفترضة تحققت فيها مواصفات الشك ويفسر الشك لفائدة المتهم (مقتضى المادة1 من ق.م.ج) وبالتالي يترتب عليها التصريح بالبراءة.

المحورالثالث: الإثبات الجنائي غير قائم

7 ـ بمقتضى المادة 286 من ق.م.ج التي تنصعلى انه "إذا ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمتببراءته"، فإنه يتعين على المحكمة الإثبات وإلا صرحت بالبراءة. وفي هذه القضيةالفضيحة، وحيث إن الإثبات غير قائم، كان يتوجب على المحكمة أن تصرح بالبراءة إلاأنها، للأسف الشديد، انتصرت لقرار الإدانة. ولذلك عند الإطلاع على مقرر الحكمابتدائيا وحتى استئنافيا، نجده بدون تعليل يفيد الجزم واليقين وفي أحسن الأحوالنجده ناقص التعليل، ونقصان التعليل كالعدم سواء. لماذا؟أ ـ لأنه استند إلىمحاضر الضابطة القضائية، والحال أنها مجرد معلومات (مقتضى المادة 291 من ق.م.ج) هذاإذا كانت سليمة فكيف وكل الأظناء قد طعنوا فيها بالزور.

ب ـ إن استناد ذلكالمقرر لمحاضر الضابطة القضائية جاء بلا قرائن. وهذا يسقط حجيتها كليا ونهائيا حسبما استقر عليه الاجتهاد القضائي المغربي بهذا الخصوص.

ج ـ الاستناد إلىمحاضر قاضي التحقيق بالنسبة لبعض الأظناء معلول من جهتين: من جهة لأنه تم التدليسعليهم فضلا على تهديدهم بحيث وصل الأمر إلى حدود حضور محققين أمنيين إما في جلسةالتحقيق أو عند باب مكتب قاضي التحقيق! وهذه أمور كشف عنها الأظناء أثناء مناقشةالقضية. وللأسف، لم ترتب هيئة الحكم لا ابتدائيا ولا استئنافيا استبعاد تلك المحاضروالاكتفاء باعتماد ما راج أمامها، أما من جهة ثانية فإن حرمان بعض الأظناء من حقهمالمشروع في إجراء التحقيق التفصيلي، ينقض القيمة الحجاجية لمحاضر قاضيالتحقيق.

د ـ أما ما سمي بقول متهم على متهم كدليل فهو يبين هشاشة الإثباتالجنائي في هذه القضية الفضيحة وذلك لاعتبارين: الأول، لأن ق.م.ج لم يذكره من ضمنوسائل الإثبات. صحيح أن الإثبات حر، ولكن عدم ذكره هناك يدل على أنه ليس دليلاأولويا. ثم إننا أمام قضية جنائية ضخمة كما تزعم النيابة العامة، وبالتالي فالأمربحاجة إلى أدلة إثبات جنائية دامغة ولا تحتمل التأويل. أما الاعتبار الثاني، فهو أنالاتجاه العام للاجتهاد القضائي المغربي يروم استبعاد هذه الوسيلة من يد القاضيالزجري لعدم استقامتها.

هـ ـ الاعتراف القضائي نوعان: الأول أمام قاضيالتحقيق والثاني أمام قضاء الموضوع. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: ما الذي يجعلالمتهم يعترف أمام قضاء التحقيق ويغير أقواله أمام قضاء الموضوع؟ ولماذا التمييز فيالأقوال: لماذا نأخذ فقط ما يخدم الإدانة ونترك ما يرجح البراءة؟ لماذا حينما يصرحالمتهم بأنه تعرض للاختطاف والتعذيب لا يعبأ به ولو كانت لديه قرائن، ولماذا حينماتصرح سلطة الاتهام يؤخذ بقولها حتى ولو لم تدل بوسائل الإثبات؟ هذا مع العلم انه فيدولة الحق والقانون، تنحاز هيئة الحكم إلى المتهم وتعمل على تبرئة ذمته، لا بل إنسلطة الاتهام نفسها، إذا وجدت بصيص دليل لتبرئة الظنين لا تتوانى في ذلك. وهذا حصلفعلا في علاقة بهذه القضية الفضيحة بحيث إن النيابة العامة ببلجيكا قد التمست عدمالمتابعة فيما يتعلق بجرائم القتل المنسوبة لأحد الأظناء.

السؤال الآن: إذاتعارض الاعترافان القضائيان فبأيهما نأخذ؟ في هذه القضية لا يمكن إلا ترجيح ما راجأمام المحكمة، وذلك لاعتبارات متعددة: منها أن التصريح أمام قضاء الموضوع علني ولايرافقه أي ضغط (كما حصل في تمارة والمعاريف وعند قاضي التحقيق)، ومنها ما تعرض لهالبعض من الأظناء من حرمان من حقهم المشروع في إجراء التحقيق التفصيلي. وما يزيدالاعتراف أمام قضاء الموضوع رجحانا في هذه القضية أربعة عناصر: غياب أدلة الإثباتووسائل الاقتناع إجمالا، وشهادة الشهود كانت لفائدة البراءة وفضيحة "ماكرو" تكشفالوجه التلفيقي لهذه القضية ثم ليس هناك وثيقة فكرية وسياسية لدى أي من الأظناء تدلعلى نزوعه للتطرف والغلو والعنف.

السيد الوزير المحترم: بعد هذا العرضالإجمالي حول هذه القضية الفضيحة، انتقل الآن إلى بسط أوراش إصلاح القضاء كما برزتجلية من خلالها.

هناك اليوم إرادة سياسية رسمية معلنة لإصلاح القضاء. وتقدمهذه القضية الفضيحة في كافة أبعادها السياسية والقانونية والواقعية، نموذجا صارخاللاختلالات والخروقات والانتهاكات والإجراءات المعيبة. ويمكن أن أقدم هنا خمسةمستويات تعتبر أوراشا حقيقية للإصلاح القضائي المنشود.

أولاـ لا يمكن تبييضالانتهاكات الجسيمة الجديدة لحقوق الإنسان تحت ذريعة محاربة ما يسمى بـ"الإرهاب"،لا يمكن السكوت عن خرق إدارة مراقبة التراب الوطني للقانون: فمن جهة أولى هي متهمةباختطاف وتعذيب المواطنين كما تواترت بذلك شكاياتهم، وهذا مناف ومناقض لالتزاماتوتعهدات المغرب في مجال احترام حقوق الإنسان. من جهة ثانية، فهي ليست مخولة أصلالإجراء البحث التمهيدي كما ينص على ذلك القانون. وهذا يعيد مطلب الحكامة الأمنيةإلى الواجهة، وهو أحد توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي لم تجد طريقها إلىالتنفيذ.

ثانيا ـ لا يمكن القبول باقتحام السلطة التنفيذية لمجال وحقلالسلطة القضائية كما لا يمكن القبول بعجز قضاء الموضوع ابتدائيا واستئنافيا عنالقيام بدوره في تمحيص الأدلة وتدقيق ثبوت الوقائع وفي التحرر من أطروحة محاضرالضابطة القضائية. لقد طرحت هذه القضية الفضيحة مشكلة قضائنا وعدالتنا ألا وهيالاستقلالية. وهذه فرصة تاريخية لتجسيد وتأكيد مطلب استقلالية القضاء وسموها عنباقي السلطات بما فيها السلطة التنفيذية.

وهذه لحظة مفصلية لتؤسسوا لعهد لاتتطاول فيه السلطة التنفيذية على اختصاصات القضاء. فلنجعل من هذه القضية الفضيحةانطلاق زمن رد الاعتبار للقضاء كسلطة مستقلة وسامية عن باقي السلطات إذا أردنا فعلاأن ننتمي إلى نادي "دولة الحق والقانون." إن قضاءنا بحاجة إلى معالجة استعجاليةلتأمين استقلاليته وكفالة نزاهته وعدالته بالنتيجة، لأن جوهر الإصلاح القضائي هوالاستقلالية سواء عن السلطة التنفيذية أو عن الأجهزة الأمنية أو عن التأثيراتالسياسية أو عن تأثيرات اللوبيات الاقتصادية والمالية ومركبات النفوذ المختلفة. حيننكفل استقلالية القضاء وسيادته على باقي السلطات، حينها يمكن أن نطمع في عدالةحقيقية أيا كان نوع القضايا المعروضة أمامها بما في ذلك قضايا الرأيوالسياسة.

ثالثا - النيابة العامة والضابطة القضائية ورشان من أوراشالإصلاح القضائي الأساسية. فلقد ثبت تاريخيا أن محاضر الضابطة القضائية تكون دائماموضوع جدل بين هيئة الدفاع وممثل النيابة العامة. كما أن الدور الرقابي للنيابةالعامة على عمل الضابطة القضائية يظل منعدما أو محدودا وخاصة في قضايا الرأيوالسياسة. وفي هذه القضية/الفضيحة، كشفت هيئة الدفاع العورات الكثيرة التي طالت تلكالمحاضر وأبرزت ما شابها من تزوير واختلال وتناقض.

أما دور سلطة الاتهام (النيابة العامة)، فقد تمثل في تزكية ما ورد في محاضر الضابطة القضائية على الرغممن كونها مجرد معلومات، وبالتالي لا حجية لها بذاتها.

لقد عاش القضاءالجنائي محنة قاسية مع مداخلة ممثل النيابة العامة في المرحلة الاستئنافية، وهيالمحنة التي تبين بجلاء أنه بيننا وبين إصلاح القضاء مسافة إرادة لا فقط مسافةمساطر وإجراءات. ففيما كنا نرغب في نقاش جنائي راق يجعل من هذه المتابعة (وبرغمطابعها السياسي) تمرينا في المحاكمة العادلة يدور حول مناقشة الحجج والأدلةوالبينات التي اعتمدت في الاتهام، استعاضت النيابة العامة عن ذلك بخطاب الحكي،ولجأت إلى العنف اللفظي للتغطية على ضعف بضاعتها الاستدلالية إذ ليس في جعبتها أدلةبل لديها قرار إدانة ومع سبق الإصرار.

إن خطاب النيابة العامة هذا ينتمي إلىمدرسة "عدالة القوة". وفي هذه المدرسة، لا يهم الشكل (كما قال وزير الداخليةالسابق)، وفي هذه المدرسة لسنا بحاجة إلى الأدلة والحجج والبينات ويكفي أن جهاتقالت وجهزت محاضر. وبناء على هذا المنطق، وضدا على أسس المناقشة الجنائية الحقة،صوبت النيابة العامة مدفعيتها الثقيلة تجاهنا واستعملت وسائل استدلالية غيرتقليدية، فأصبحنا بنظرها نمثل خطرا شبيها بما يمثله "الحوثيون" باليمن و"شبابالجهاد" بالصومال دون أن ننسى توزيعها المتواصل لصفات الظلاميين والإرهابيين طيلةمداخلتها المقطوعة الصلة بمنطوق القانون وبمنطقه. فما معنى القول بأن هذا جيشوالمحاضر بزورها تتحدث عن خلية؟ ما معنى أن أتباع هذا التنظيم يعدون بالآلاف والحالأن عدد المعتقلين على ذمة هذه القضية لم يتجاوز خمسة وثلاثين (35) لا يتعارفون فيأغلبيتهم فيما بينهم ولا أدلة على روابط تنظيمية أو سياسية تربط فيمابينهم!

ألا ترون معي، السيد الوزير المحترم، أن أمر إصلاح الضابطة القضائيةوالنيابة العامة أمر جدي ولا يحتمل التأجيل من أجل عدالة حقيقية. إن ما نريده هو أنتستخلصوا ما يلزم استخلاصه بهذا الخصوص لأن بلادنا، في نهاية المطاف، بحاجة إلىنيابة عامة قوية أمينة تكون ضميرا حقيقيا للمجتمع وساهرا أمينا على تطبيقالقانون.

رابعا - إن الفلسفة التي بني عليها نظام قضاء التحقيق هي الإسهامفي بيان الحقيقة حتى يسهل على قضاء الموضوع تكوين قناعته. وبهذا المنطق، يتعين علىقاضي التحقيق أن يتحرر من أطروحة محاضر الضابطة القضائية وأن يعطي كل الجهد لأدلةالإثبات فيسائلها ويمحصها وأن يتخذ جميع المقررات ويأمر بجميع التدابير (كاستدعاءالشهود وإجراء الخبرة والتحقق من المحجوز ومدى مراعاة الضوابط فيه... إلخ) التييراها مناسبة للكشف عن الحقيقة وبيانها، ما لم يمنعها القانون.

في هذهالقضية/الفضيحة، كان دور قاضي التحقيق هو استخراج ما ورد في محاضر الضابطة القضائيةوإعادة صياغته، فلا هو محص الأدلة ولا هو دقق في ثبوت الوقائع.
وكما كان دورهبلا قيمة مضافة، فقد ظل جامدا تجاه حرماننا من حقنا المشروع في إجراء التحقيقالتفصيلي وتمسك باعتبارات أقل ما يقال عنها إنها مس بحقوق الدفاع وجرح لمقتضى أساسيمن مقتضيات المحاكمة العادلة ألا وهو حق المتهم في اطلاعه على المنسوب له من وقائعوكذا على أدلة الإثبات القائمة ضده.

وهذا يطرح السؤال فعلا حول جدوى مؤسسةقضاء التحقيق وحول قيمتها المضافة ومدى استقلاليتها في هذه القضية. إن الدعوة هنادعوة لإحاطة مؤسسة قضاء التحقيق بكل الضمانات القانونية الكفيلة بتحصينها من تأثيرالأجهزة الأمنية أو السياسية أو غيرها في تكييف قراراتها.

خامسا - حولالفلسفة العقابية والسياسة الجنائيةهل العقاب مقصود لذاته أم لغيره؟ وهلالهدف هو إيقاع العقاب أم كبح الجريمة؟ يجيب مونتيسكيو في كتابه القيم روحالقوانين: "الغرض من قانون العقوبات هو كبح الإجرام لا الانتقام من المجرم". في هذهالقضية/الفضيحة من حقنا أن نتساءل: ما هو الهدف الحقيقي من اعتقالنا؟ وما هوالتهديد الجدي الذي نمثله بالنسبة لأمن بلادنا؟ وماذا كسب المغرب بهذا الترتيبالأمني البئيس؟ إن هذا الملف يطرح السؤال بعمق حول فلسفتنا العقابية وسياستناالجنائية والأهداف المتوخاة منها: إنه ارتداد بسياستنا الجنائية إلى عهد الثأروالانتقام الذي تجاوزته الإنسانية منذ زمان.

إن مجرد غياب القصد الجنائي فيهذه القضية/الفضيحة وعجز سلطة الاتهام على الإدلاء ولو بوثيقة فكرية وسياسية واحدةتؤكد نزوعنا نحو التطرف والغلو، إن كل ذلك كاف تماما لعدم متابعتنا.

إنغالبية الدول العربية والإسلامية دشنت حوارات مع قوى وتنظيمات كانت متهمة بالتطرفوالعنف، وانتهت تلك الحوارات إلى إطلاق سراح الجميع كما هو حال التجربة الليبيةوالسعودية وكما يجري حاليا في التجربة الموريتانية، لأن أنظمة تلك الدول اقتنعت،ولو بعد حين، أن الحوار هو الأسلوب الإنساني المدني والحضاري في تدبير الاجتماعالسياسي واختلافاته وتوتراته وتحدياته.

وإنني هنا لأتساءل، ماذا يستفيدالمغرب من اعتقال مجموعة من المواطنين في هذا الملف السياسي وفي غيره من ما سميبملفات "الإرهاب"! والإبقاء عليهم في السجون وخاصة أن هناك إقرارا رسميا بوجودخروقات وانتهاكات في إعداد وتدبير تلك الملفات؟ سؤال نتركه لعقلاء المغرب في ضوءالتقارير التي تتحدث عن مخاطر ذلك. إننا بحاجة إلى تصويب فلسفتنا العقابية وسياستناالجنائية لتتجاوز صدمة أحداث 16 ماي الدموية. لا يجوز أن يستمر المغرب تحت وطأةتداعيات تلك الأحداث ليستمر الأبرياء في تأدية ثمن سياسة جنائية عمياء وخرقاء،وليسهل تبرير انتهاك القانون وتباطؤ الإصلاحات! تحت ذريعة الأمنالوقائي!

السيد الوزير المحترم،هنا ورش كبير من أوراش إصلاح القضاء وهوإعادة صياغة الفلسفة العقابية والسياسة الجنائية وخاصة أن المشرع قد حمل وزير العدلمهمة الإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية.
لقد كشف مصدر من المجلس الاستشاريلحقوق الإنسان أن عدم توفر المغرب على سياسة جنائية واضحة المعالم جعل من إبداءالرأي في قضايا حساسة تتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان أمرامعقدا.

السيد الوزير المحترم،الآن، ما هي انتظاراتي من هذه الرسالةالمفتوحة؟لي انتظار واحد وأساسي: هو أن تقولوا لنا رأيكم في هذه الأمور،وماذا تعتزمون القيام به لتصحيح صورة العدل ببلادنا حتى يجوز لنا أن نقول: العدلبخير إذن كل شيء بخير، وهل بهذه الطريقة التي تم بها تدبير هذه القضية/الفضيحةوغيرها من قضايا مماثلة، نعطي المثال عن الإصلاح القضائي المنتظر؟وهل يشرفالمغرب، في ضوء تعاقداته المدنية والمجتمعية، ولو بعلاتها، وفي إطار التزاماتهالدولية حقوقيا وسياسيا، أن يستمر قضاؤنا وعدالتنا على هذه الحالة؟ لقد اعتبر تقرير "50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025" الصادر في 2006 في ص 236 منه أنالقضاء هو أحد بؤر المستقبل الذي ظل فيه التأخير بارزا أكثر من غيره من المجالاتالأخرى في النصف الأخير من القرن الماضي. وأقر التقرير في ص 252 منه بـ"أن المغربإذا لم يبادر منذ الآن (لاحظوا أي منذ سنة 2006) إلى العمل على تجاوز مواطن عجزهوعوائقه مع تحويل بؤر المستقبل إلى رافعات حقيقية للتنمية، فإنه سيكون في مواجهةسيناريو تراجعي" انتهى.

السيد الوزير المحترم: إن هناك إجماعا مغربيا على أنأصلاح القضاء يقع في صلب التحديات التي يتعين رفعها، فلكم أن تختاروا مكانكم فيتاريخ بلدكم وشعبكم وأمتكم. وإصلاح القضاء ليس أمنية تقال، بل هو أيضا فعل يمارسوها هي الفرصة أمامكم لتصنعوا لبنة من لبناته الأساسية.
(إن الله يأمركم أنتؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعمايعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا) النساء:58صدق الله العظيم.
والسلامعليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


محمد المروانيتم بحمده وتوفيقهبالسجن المحلي بسلافي 25 شوال1431 الموافق 4 أكتوبر 2010



أكثر... (http://hibapress.com/news9139.html)